الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

37

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عهدهم لا يقبل بعد أن نكثوا لقول اللّه تعالى : إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ ، ولا أن يكون الانتهاء عن الطعن في الدين ، لأنّه إن كان طعنهم في ديننا حاصلا في مدّة قتالهم فلا جدوى لرجاء انتهائهم عنه ، وإن كان بعد أن تضع الحرب أوزارها فإنّه لا يستقيم إذ لا غاية لتنهية القتل بين المسلمين وبينهم ، فتعيّن أنّ المراد : لعلهم ينتهون عن الكفر . ويجوز أن تكون الجملة استئنافا ابتدائيا لا اتّصال لها بجملة وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ الآية ، بل ناشئة عن قوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ - إلى قوله - أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [ التوبة : 5 - 12 ] . والمعنى : المرجو أنّهم ينتهون عن الشرك ويسلمون ، وقد تحقّق ذلك فإنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة ، وبعد حنين ، ولم يقع نكث بعد ذلك ، ودخل المشركون في الإسلام أفواجا في سنة الوفود . [ 13 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 13 ] أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) تحذير من التواني في قتالهم عدا ما استثني منهم بعد الأمر بقتلهم ، وأسرهم ، وحصارهم ، وسدّ مسالك النجدة في وجوههم ، بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ - إلى قوله - كُلَّ مَرْصَدٍ [ التوبة : 5 ] . وبعد أن أثبتت لهم ثمانية خلال تغري بعدم الهوادة في قتالهم ، وهي قوله : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ [ التوبة : 7 ] وقوله : كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ [ التوبة : 8 ] وقوله يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ [ التوبة : 8 ] وقوله : وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ [ التوبة : 8 ] وقوله : اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ التوبة : 9 ] وقوله : لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [ التوبة : 10 ] وقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [ التوبة : 10 ] وقوله : إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ [ التوبة : 12 ] . فكانت جملة أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ تحذيرا من التراخي في مبادرتهم بالقتال . ولفظ أَ لا يحتمل أن يكون مجموع حرفين : هما همزة الاستفهام ، و ( لا ) النافية ، ويحتمل أن يكون حرفا واحدا للتحضيض ، مثل قوله تعالى : أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [ النور : 22 ] . فعلى الاحتمال الأول يجوز أن يكون الاستفهام إنكاريا ، على انتفاء مقاتلة المشركين في المستقبل ، وهو ما ذهب إليه البيضاوي ، فيكون دفعا لأن يتوهّم